Sunday, 28 February 2021

... لا أشارك في الجوقات...

 



"ماذا قال ريتشا؟"

قالها وهو ينظر إلى مرآة بيضاوية معلقة بين حاملين بطول إنسان، حاول تعديل ربطة عنقه الصغيرة (فرفلا) وهو ملتصق بالمرآة، ماذا قال؟ أعاد السؤال مرة أخرى.

-        تعني (نيتشة) أليس كذلك؟

-        نعم، هو، ماذا قال عن الانتقام "....احذر أن تكون وحشاً مثلهم"

-        ها أنت تعرف المهم من المقولة.

-        لا، بل أريد سماعها منك مرتبة وكاملة.

-        "كن حريصاً وأنت تصارع الوحوش حتى لا تصبح واحداً منهم".

-        يا للجبان، خوّاف أليس كذلك؟

وعاد يمسح على جاكيت بدلته من ناحية اليمين، مد ذراعه ومسحها بكف يده الأخرى ودار أمام المرآة ربع دورة، ثم عاد وألصق وجهه بالمرآة ثم أخذ في إعادة ضبط وضعية ربطة عنقه، وبعد تكرار هذه الأفعال عدة مرات، أخذ يتمتم وعاد بعدها ليرفع صوته:

إذاً المهم هو ألا نصير وحوشاً في النهاية؟

-        المهم يا صديقي، هو ألا تتأخر وأن تُفكر في ليلة عرسك وعروسك والأوقات السعيدة القادمة.

-        لماذا؟ هل يبدو (ريتشا) غير مناسبٍ لليلة العرس، هل تلطخ كلماته هذه البدلة أم أن البدلة لا تليق بكلماته؟

سكتت واستندت بظهري على حائط الممر الذي كنت أنا وهو والمرآة نقف فيه، بينما يجتمع الآخرون في الصالة الواقعة من بعده، كان الممر ينتهي إلى نهايتين واحدة إلى صالة مستطيلة وأخرى إلى منافع وغرف نوم، كنت أنا وهو والمرآة نقف في المنتصف، يقابل بوجهه المرآة البيضاوية وأقف أنا خلفه ملاصقاً للجدار الآخر، أرى انعكاس وجهه وحركاته على المرآة المقابلة.

عاد ليسأل وهو ينظر إلى انعكاس صورتي في المرآة:

-        هل يبدو كلامي سخيفاً ولا يستحق منك أن تجاوب؟

-        لا.

-        إذاً لماذا لم تصحح لي نطق اسم (نيتشه) حين داومت على تكراره (ريتشا).

-        لقد صححته، لكنك لم تلاحظ.

-        لم يعد الوقت مهماً على ما يبدو، لقد استندت إلى الجدار من خلفك كأن شيئاً ما قد أُلغي!؟

-        يبدو لي أنك أدرى منّي بما تفعل..

-        نيتشه هذا يا صديقي، يطلب منك ومني ألا نصير وحوشاً، أن ننتصر على الوحوش ونحن في حالتنا (الإنسانية) بكامل حلّتها، وهذا غير عادل تماماً، أعتقد أن من أجزاء الانتقام من الوحش، أن يرى وحشاً آخر أمامه.

-        ربما هو غير (سينمائي) إذ لا علاقة للعدل بالموضوع.

قلت عبارتي تلك وابتعدت عن الجدار ووضعت يدي في جيب بنطلوني وأضفت:

دعني أكمل لك العبارة التي قالها (نيتشة) مادام أنه صار قرينك المفاجئ في هذا اليوم، قال:

"..خذ حذرك وأنت تقاتل الوحوش حتى لا تصبح واحداً منهم، ولا تحدٌق طويلاً في الهاوية، حتى لا تنظر الهاوية أيضاً إليك، وتنفذ فيك.."*

بقي ينظر نحوي في المرآة، يطيل التحديق في انعكاس صورتي، كأنه تجمّد، ثم قال:

لا.. ليس الأمر بهذا القدر من الضخامة يا صديقي، لست وحشاً وليس الموقف هاوية، كل ما في الأمر، أني أنوي أن أجري لطمة صغيرة لرد لطمة قديمة تعرضت لها دون ذنب.

عدت لألتصق على الجدار من خلفي، أخرجت يدي من جيبي وعقدت ذراعي أمام صدري، وأدرت رأسي بضع درجاتٍ نحو اليمين وأحنيته قليلاً، وصرت فيما يشبه وضع الاستعداد إلى الاستماع الطويل.

قال:

-        رأيتها في مكانٍ عام وتبادلنا الأرقام، عرفتها لفترة بسيطة ثم حين أحسست أنها مناسبة، سألتها عن إمكانية إحضار أهلي للتقدم لخطبتها، وافقت، لكنها في المقابل لم تكن مهتمة بكل ما قلته عن نفسي، لم تسألني أكثر من أسئلة عابرة ومفتعلة، لا تشبه نهم الأنثى لمعرفة كل شيء عن الذكر الذي يبدي اهتمامه بها وينوي الارتباط بها، وافقت وقالت تفضل أنت وأسرتك (يوم كذا)..

-        قاطعته، إن كنت تحكي عن تلك التجربة الأولى، فأنا أعرف تتمة القصة، وأعرف أنها ذهبت في حال سبيلها، وأنت الآن مقبلٌ على حياةٍ أخرى، مع إنسانة أخرى..

-        لا، ليست أخرى، إنها الشخص نفسه، تلك التي استقبلت خطبتي الأولى، بالسخرية والإذلال والضحك من أمي وأختي، تلك المتغطرسة، ابنة ذلك الفاسق السخيف، هي عروسي الليلة، الاثنان واحد، اعذرني على هذا الإخبار المتأخر.

كان الجواب صادماً، وغير متوقع، رغم أنه منذ غروب ذلك اليوم، كان يبدو بصدد أمرٍ ما، لكني لم أتوقع أن يكون الأمر بهذا الحجم والشكل والطبيعة، سكت قليلاً ثم عاد وقال:

-        بعد انتهاء محنة تلك الخطبة الفاجعة بأكثر من سنة، فوجئت بها في إحدى المرات وقد جاؤوا بها مسرعين إلى قسم الطوارئ، عرفتها من وجه أختها التي كانت تركض حافية رفقة حمالة الإسعاف، ثم رأيت والدها يركض من خلفهم، وحين اقتربت من الحالة، اكتشفت أنها هي، بشحمها ولحمها وعظامها المحطمة على إثر حادث دهس تعرضت له وهي تعبر الطريق باتجاه سيارة والدها.

قدمت لها الاسعافات اللازمة رغم أني (لست طبيب إسعاف) بل جراح عظام، وأجريت لها ثلاث عمليات على ساقها المهشمة، قدمت لها كل العناية، وأحضرت لها كل الأخصائيين، بل أفضلهم من كل مستشفيات المدينة، ويوم راحت تتماثل للشفاء وتصعد درج العودة إلى حياتها الطبيعية، قال لي والدها (السخيف) لقد ردمتنا بجمائلك وملكت نفوسنا وأجسادنا، وحين أراد أن يعرج على الموقف السخيف والإحراج العظيم الذي تسببوا به لعائلتي، انسحبت من النقاش.

 

بعد أن عادت إلى البيت وبدأت في حضور جلسات العلاج الطبيعي، أخبرتني أنها (أحبتني) صارت (تحبني) هي من قالت ولست أنا، حينها وحتى تلك اللحظة كنتُ طبيباً يؤدي دوره، مازال شيئاً من صدمة (تعاملهم الفظ وغير اللائق) في رد خطبتي وأهلي في المرة الأولى، لكني كنت طبيباً متمسكاً بدوري ووظيفتي إلى أن عادت لتعرض حبها.

فكرت أن أرد عليها بقسوة وأقول (أنثى بعظامٍ مرقعة بال(البلاتين) تصنيفها أقل من الأنثى التي كنتِ عليها، لذلك تتفضلين بقبولي بعد أن انحدرتِ إلى منزلتي؟) وكنت أفكر في أن أضيف سطراً من الشتائم والمسبات الزقاقية المريعة، لكن (نيتشة) وقف في طريقي وأفسد فكرتي.

 

وها أنا ذا أجهز نفسي (على غير وصية نيتشه) كي أنتقم منها في هيأة وحش، سوف أذهب إلى صالة العرس وأجعلها وأسرتها يدفعون الثمن.

 

-        تحدق في الهاوية إذاً... قلت له.

-        كنت لا آبه بأحد من هؤلاء السخفاء الذين تحبهم وتقرأ كتبهم وتعيد بعض مقولاتهم علينا، كلما تلاقينا حول مائدة سَمر وكأسين لأجل الرواق، كانوا يخرجون بأفكارهم من فمك، حين يدور رأسك على إثر بضعة كؤوس، كان يحضرون جميعاً (نيتشه، شوبنهاور، كامو، راسل، بوبر، وبقية الشلة) والأسوأ أنهم كانوا يعلَقون هم وأقوالهم في رأسي على مدى الأيام التالية، علق (نيتشه) بمقولته تلك عن الوحوش، وحضر ذلك الموقف من تلك الأنثى ووجدت نفسي عالقاً في النص والتجربة معاً.

-        ربما يمكن للطريق أن تكون أقل مخاطرة وألم، الدوران حول الجبل، أفضل من تجسم صعوده والمرور من فوق فوهة البركان!

أكملت جملتي الأخيرة وعاد وانتصب من جديد أمام المرآة وصرخ بأعلى صوته منادياً شقيقه:

 يا خالد أنا جاهز!

جاء خالد وجاء معه المجتمعون في الصالة، دخلوا إلى الممر وتجمعوا حول (العريس الوهمي) في المسافة ما بيني وبينه، كانوا شبه طبيعيين، أعتقد أن أحداً منهم لم يكن يعلم بالموضوع وما ستؤول إليه تلك الليلة..

اندفعوا مرة واحدة خارجين باتجاه الصالة ومن ثم باتجاه باب الفيلا ودار هو على  إثرهم، قال:

-        أرى أنك لم تتحرك؟

-        لن أتحرك.

عاد وأكمل طريقه باتجاه الصالة وغادر الباب باتجاه السيارات المتوقفة في الشارع.

 

 

 

 

 _________________________________

·       كتاب ما وراء الخير والشر – فريدريك نيتشه.

Tuesday, 15 December 2020

مؤمن غير تقليدي، كائن يدعى (امعفنة)...


يؤمن بالله والرسول ويوم القيامة، كما يؤمن بالسحر في البسبوسة، ويعتقد أنه قد تعرض إلى العديد من طواجين البسبوسة، لكنه تفاداها بفضل ذكائه ودعاء الوالدين.
هل تصدق هذا؟ لأنه من النوع الذي يسأل كلما مر عليه قِط شارع:

هذا قطوس وإلا قطوسة؟

يعاني تصحراً وندرة في كل المؤنثات من حوله، إضافةً إلى شبق مستديم وحاد، رغم هذا يروي عن مترصداتٍ له بالسحر، عبر دسه في قطع البسبوسة لكن، كيف؟ وأين؟ ولماذا؟ لا أحد يدري ولا يسأل، اتقاءَ رائحة فمه وشرِّه.

أما عن دعاء الوالدين الذي ساعده في النجاة من فخ السحر، فهو مؤمن جداً بأهميته، رغم ذلك لم يفوت فرصة لسرقة أبيه وأمه إلا اقتنصها، لدرجة أن العقد الوحيد المتبقي في رقبة والدته هو مفتاح باب غرفتها ومفتاح الدولاب.

لا يمكن أن تصدر عليه حكماً مستعجلاً، قبل أن تعرف كل تفاصيل حياته، فهو سيء إلى درجة أنه سرق دكاكين وبيوت كثيرة، لم يعد يتذكر أكثرها، حتى أنه في إحدى المرات عاد ليبيع بضاعة إلى الدكان ذاته، الذي كان قد سرقها منه في ليلة سابقة، وبعد أن ضربه رجال الشرطة وعلقوه، تغوط على نفسه، الأمر الذي كان سبباً في إخلاء سبيله لعدم وجود أي حل لمشكلة المجرم ورائحته ومضاعفات استجوابه، فأخلي سبيله، وبقي معروفاً لدى الشرطة باسم (امعفنة) ذهب امعفنة، جاء امعفنة، ولم يعد يعرف في الحي ومراكز الشرطة بغير هذا الاسم.


لا تستعجل في الحكم عليه، لأنه يملك علامات على جانبي السالب والموجب، فرغم أنه بعد انفلات الأوضاع وانتشار السلاح، راح يقطع الطريق ويسرق السيارات بقوة السلاح وقتل أيضاً العديد من أصحاب السيارات المسروقة، لكن رغماً عن هذا لديه قلب رقيق مثل قطعة كبدة دجاج، فهو يطعم كلاب الحي، يجمع لها بقايا الطعام، ويرزقها بساعديه هي و القطط، أيضاً ينثر القمح والأرز للطيور والحمام.





يجلس أمام باب (البراكة) المقابلة لباب بيتهم وسط الحمام واليمام و(الزرازير) ومن حوله مصارين الدجاج على الأرض (طعاماً للقطط)
يفرض سلاماً بين القطط والطيور النازلة على القمح والشعير، لا أحد من القطط يغادر وجبته ليقتنص يمامة أو حمامة أو عصفور، ينظر بابتسامة وبلاهة إلى حالة قططه وطيوره، ثم يدور خلف (البراكة) من الجهة المقابلة للطريق، ويتفقد (نصف القلوني) الذي كان قد أعده وعاءً لطعام الكلاب المشردة، هي أيضاً لها نصيبها من مائدته، يفرغ كيس بقايا الطعام في الوعاء و يمسد ظهر كلبٍ منغمس بكامل وجهه في وجبة المكرونة وأرجل الدجاج.
يشعر بالرضى عن نفسه تماماً، وحين يصل (صبي الحشيش) الذي يأتيه يومياً باللازم لتدخينه، يقول:

"والله يا بوراس، لو مش دعوة الولدين والخير اللي اندير فيه في البهايم، راه ربك ساخطني.."

يتناول طرف الحشيش من (بوراس) ويقلبه بين أصابعه التي كانت تقلب مصارين الدجاج وتمسد ظهر كلب أجرب، ويقول:

"امشفرينه يا بوراس، الطرف كل يوم يصغر.."

ويضحك ضحكة ملؤها أسنان صفراء وبنية بارزة من وراء خيوط اللعاب الواصل بين الشفتين البنيتين جداً.
يبدأ يومه بإطعام الحيوانات وينظر إلى السماء وإلى وجه بوراس ويبدأ في إعداد سجائر المساء، ثم يأخذ في الحديث إلى نديمه عن طواجين البسبوسة و (إن كيدهن عظيم)
آخر اليوم يكون قد رسى قراره على فريسة ما، دكان أو بيت، زاوية مظلمة بين الأحياء يقبع فيها لاقتناص سيارة عابرة، أو يسرق إحدى السيارات المركونة أمام أحد البيوت، كل يوم بيومه، أو كما يقول هو (كل يوم برزقه).
يمكن أن تقول عن (امعفنة) أي شيء، إلا أن تقول أنه لا يحمل إيماناً في قلبه، (امعفنة) مؤمن على طريقته.

Monday, 2 November 2020

لا وقت للمَادة.



وقف، أَسند كف يده اليمنى إلى جدار الكنيسة في شارع فياترينو، واستقبل البحر بوجهه، استند بجسده على ذراعه المستندة إلى الجدار، ارتسمت على وجهه مسحة من البؤس والارتباك، كوّر قبضة يده اليسرى وأسندها إلى وركه بنحوٍ منحني كأنها أذن فنجان، قال:

كيف هذي يا ريّس؟
قلت:
لا وقت للمادة، تبدو العبارة هاربة من قسم الفيزياء أو من إحدى الورقات العلمية المشتغلة على قضايا الطبيعة عن (الوقت والمادة) لكن فيما لو خفضت من مستوى متلقيك إلى درجة المحكية البنغازية، فستعرف أنني أتكلم فعلاً عن (اللا-وقت) لكن ليس لمادة الفيزياء(Mass) بل لمادة الشارع (المرشبادي).
ضحك وفك يده من على جدار الكنيسة وأرخى قبضته وساعده من فوق وركه، ضحك ثم عاد وربط ذراعيه أمام صدره، كأنه طفلٌ في مدرسة، قال:

لا وقت دائماً لمثل تلك المادة، ولو من باب الحفاظ على (الطاقة).
ضحك وضحكت معه، ثم أضفت:

تعي وتحفظ جيداً القانون الثاني لحفظ (الطاقة) في عموم شوارع المدينة.
ضحك في موجة أخيرة حتى أسبل ذراعيه، وتوقفت الضحكة في آخر المنحدر الخفيف والقصير، عاد بعده ليشبك ذراعيه مرة أخرى ويقول:
كيف؟

قلت:
في العالم اليوم، وفي وقت الإتصال والتشابك الأعظم من كل ما عرفه التاريخ، وفي غمرة هذا التبادل الهائل في الكم والنوع والسرعة لكل المعلومات، يتبقى (0) ثانية من الوقت، لطرح المؤخرات على إسمنت حواف الطريق.
لايمكن للأربع وعشرون ساعة، أن تكفي لنقرأ ما تخلفنا عن قراءته في زمن الأخ القائد وزمن انتظار الكتاب المطبوع في مصر ولبنان، الـ MOBI و الـPDF التهما تلك القطعة من الزمن المظلم، وضعا حجراً عظيماً على ذلك الثقب الأسود، الروس ينهبون كل الكتب الحديثة (قاطعني تعجب من عينيه وتعقفت حواجبه) فقلت:

أعني بالنهب(القرصنة الالكترونية) وبذلك صار أمام خنافس وسوّاحي العالم، مِن قراءٍ ومثقفين فقراء، فرصة لمشاركة العالم القادر على شراء العناوين الحديثة، بمجرد طرقة كليك واحدة، صاروا مثلهم وبالمجان، هل تصدق؟

هم أيضاً -الغرب- يتغاضون عن الثقب الذي أجراه الفقراء في مطبخ ومخزن الكتب المصونة بالحقوق والمقيدة بالعملة، يؤمنون أن ترك فرصة لقارئ روسي أو هندي أو صيني أو إيراني، ستساهم بشكلٍ ما في الرفاه الإنساني، ونتيحة لمثل تلك الثقوب المتروكة، ينهال على الغرب سنوياً، آلاف العلماء والمهندسين والأطباء والمكتشفين، الفارين بعقولهم وعلومهم من قعر العالم إلى هناك، الأمر الذي دفع بالتقنية والرفاه الغربي إلى الأمام دفعات قوية، وما إنجازات (إلون ماسك) الأخيرة وباقي قفزات جوجل وفيسبوك وعالم الرقمنة وبقية العلوم وحقول المعرفة، إلا مظهراً من مظاهر الاستفادة الكبيرة، من بركات عوائد تلك الثقوب.
ذاك على صعيد الكتب، فالأربع وعشرون ساعة غير كافية!
أيضاً المواد المصورة والبرامج والدراما، هي أيضاً من الواجبات على المرتبطين بالانترنت، التي يجب مشاهدتها فالكثير من الروعة والجمال والإبداع في مختلف الميادين، لا يمكن أن يُترك وأن يُستبدل بساعة على الرصيف، لمراقبة الرائح والغادية.

وضع رأسه في الأرض وقال:
صدقت صدقت.

تقدمنا خطواتٍ إلى الأمام باتجاه (السقرسيوني) في صمتٍ تام، واصل هو المشي باتجاه البحر عاقداً ذراعيه خلف ظهره، واستمر يمشي في الماء صوب إيطاليا، انعطفت أنا من شارع عمر المختار ثم عدت لأنعطف باتجاه شارع العقيب، مرّت بجانبي سيارة ذهبت باتجاه شارع المهدوي، يرتفع من مسجلها صوت أغنية لاحميدا بونقطة، حيث يترنم المرحوم بنقطته متساءلأ:

"انريد ننشدك يا حوش وين أصحابك؟..."

M.S
3 Nov 2020


Sunday, 25 October 2020

الأفضل من الفاشل، فاشل أيضاً.

 لو كان (معمر) شخص عادي ومواطن في حاله لدافعت عنه، لكنه شخصية عامة، وضع نفسه عنوة في منصب القيادة دون الرجوع إلى الناس ودون أي انتخاب أو استفتاء، وأخضع كل إمكانيات الدولة لخدمة مشروعه الشخصي، ولما بدأت أيامه في الحكم تنتهي أحرق كل شيء، أخرج المجرمين من السجون وفتح مخازن السلاح، ورفع عقيرته بالنداءات القبلية والعرقية والتحريض الفج بين الليبيين، ولم يفوت فرصة على مساومة الليبيين وتهديدهم بفكرة (أنا أو الجحيم) إلا واستخدمها.

 النصوص المرافقة للصورة من رواية (خريف البطريرك) لغابرييل غارسيا ماركيز


معمر القذافي ليس مجرد قصة قصيرة عابرة لمواطن مر بهذه الصحراء، من السهل واليسير أن تنسى، معمر تجسد فظيع لكل سلبيات وقسوة المجتمع، صوبة ومحمية أقيمت على مدى 40 سنة لاستنبات شجيرات الجهل والعنصرية والقسوة وكره الآخر والتعنيف والصلف وغيره من أشواك الصحراء.


 علاج المسموم يبدأ بمعرفة نوع السم.


ما تبيش حد يحكي على معمر ومجهز إجابتك (خلاص مات، هي أنتم ديروا حل!) معناها الحل هو أن الليبيين ايديروا حل، الليبيين (خضر وفبراريين وكفار واسلاميين وبرقاويين وطرابلسيين وتبو وأمازيغ وغيرهم) ايديروا حل، وهي عبارة تعني مع بعض الشرح : ايديروا حل للمشاكل اللي غرسهن معمر ونظامه!

والحل ليس أبداً(استعادة النظام) لأن النظام السابق هو المشكلة، ومن المنطقي والبديهي أن يكون حل مضاعفات المشكلة، ليس عبر استعادة سبب المشكلة والحرص على استدامته.


لما تقولي (معمر مات باهي شنو درتو؟) أنت كمن يقف أمام شخص أنهكه العلاج الكيميائي، جسمه ضعيف خسر شعره وشحب لونه ولم يبقى من وزنه السابق سوى النصف، توقف قدامه وتقوله (باهي السرطان انتهى، عليش مصحيتش؟)


(لما تقولي معمر مات معاش تنتقد النظام السابق) معناها نحن متفقين على كارثية النظام السابق على كل مناحي الحياة، ومن غير الأخلاقي أن تستخدم نتائج التخلف الذي زرعه ذاك النظام ورعاه، كي تجنبه الانتقاد وتقول (أشقى بهمك) لأن جزء من معالجة الهم، هو فهم سبب تكونه وكيفية تكونه، ويجب ألا تكون زراعة الهم حصانة لزَارعها ضد الانتقاد، حين نقول للمهموم (أشقى بهمك) كلما فتح فمه.

الانهيار الراهن، الحاصل في الخدمات، لا يعني صوابية ونجاح وتفوق النظام السابق إلا من جهة أنه لا يملك إنجازً حضارياً وإنسانياً كي يقارع به خصومه، إلا انتظار حدوث عجز أو تقصير، والتعقيب عليه بقولة (كنا متريحين).

أفضل من الكارثي، هذا هو التقييم المباشر لمثل هذا السلوك، وبقاء المجتمع لسنوات على حافة (الكارثي) تحت سلطة الحديد والنار، هو ما انزلق به إلى المستوى الكارثي.


أنا لا أعول على الليبيين الذين يتصدرون المشهد في هذه المرحلة، لا أعول عليهم في إنتاج أي استقرار، لكن من الواجب علينا أن نفهم أن الاستقرار هو حصيلة لخطوات ناتجة عن فهم ووعي، وليس أبداً منتجاً سريع التحضير تكونه الأبواق المحرضة من مختلف الاتجاهات.

استعادة النظام السابق لا تعني فقط (الجماهيرية) بل تعني كل التجارب السياسية العالقة في المسافة ما بين الآن وحتى زمن حكم الأسرة القرمانلية، كل تلك الصيغ مأزومة بفكرتها أولاً وشخصياتها ثانياً وغاياتها ثالثاً.

الاستقرار حصيلة وعي بالواجب وفهم للذات والتحديات، وحل التحديات بالواحدة عقدة عقدة.

كل ما سيحصل عليه الحالمون بالعودة إلى الجماهيرية، هو (2010) ولن تسعفهم الفرصة ولا مهاراتهم أو إمكانياتهم لتجنب العبور إلى 2011 مرة أخرى ومقاساة كل التجربة من البداية في عودٍ وتكرار للتاريخ.

الإخوة الخضر والإخوة القبليين والإخوة المليشياويين والإخوة الاسلاميين وغيرهم، لن تطول الفرصة التي لديكم أكثر مما طالت، اعملوا على الاستقرار أفضل من أن تجبروا على لبس ما يفصله آخرون على إثر حدث مفاجئ يقلب العقول في العالم وما كورونا عنكم ببعيد.

المفاجآت السياسية في هذا القرن، ضربت مرتين في بدايات كل عقد، وأنتم على مشارف العقد الثالث فاعقلوا وتعقلوا وتخلصوا من ثقة القذافي وزين العابدين ومبارك.